ابن تيميه

77

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

[ الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الصلاة ، واختلاف العلماء في وجوبها ] فإذا تكلّم العلماء في الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ؛ هل هي واجبة في الصلاة ، أو غير واجبة في الصلاة - كقول الجمهور - لم يقل أحد : إن من لم يوجبها فقد تنقّص الرسول أو سبّه أو عاداه ، والذين لم يوجبوها في الصلاة ؛ منهم من أوجبها خارج الصلاة ، ومنهم من لم يوجبها بحال ، وجعل الأمر في الآية أمر ندب ، وحكى الإجماع على ذلك . وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها في الصلاة وقال : حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم في التشهد غير واجبة . قال : وشذّ الشافعي في ذلك ، فقال : من لم يصلّ على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم بعد التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة ، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه . قال : ولا سلف له في هذا القول ، ولا سنة يتبعها ، قال : وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه بمخالفته فيها من تقدّمه جماعة ، وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها ، منهم الطبري والقشيري وغير واحد ، قال : وقال أبو بكر بن المنذر : يستحبّ أن لا يصلي أحد صلاة إلّا صلّى فيها على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن ترك تارك ذلك ؛ فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم ، وهو قول جملة أهل العلم ، وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة ، وأن تاركها في التشهد مسيء . قال : وشذّ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة ، وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان . قلت : وأحمد عنه في المسألة ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة ، اختار كل رواية طائفة من أصحابه . وذكر محمد بن المواز قولا له كقول الشافعي ، قال : وقال الخطابي : ليست بواجبة في الصلاة ، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ، قال : ولا أعلم له فيها قدوة . وحكي الوجوب عن أبي جعفر الباقر ، وأنه قال : لو صلّيت صلاة لم أصلّ فيها على النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأهل بيته لرأيت أنها لم تتم . وقال القاضي عياض : اعلم أن الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم فرض على الجملة مرغّب فيه غير محدود بوقت ، لأمر اللّه تعالى بالصلاة عليه ، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه . قال : وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادّعى فيه الإجماع « 1 » .

--> ( 1 ) هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم ؛ فمنهم من أوجب الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم في التشهد ، ومنهم من استحبّ ذلك . والمشهور في مذهب أحمد ؛ القول بأنها ركن أو واجبة ، وهي رواية عن أحمد . -